الشيخ حسين الحلي

340

أصول الفقه

--> وأصل المسألة وهو التخيير التكويني ، فلا يكون احتمال أهميّة أحدهما المعيّن على الآخر مؤثّراً ، فتأمّل . ثمّ إنّك قد عرفت فيما تقدّم أنّ التخيير العقلي تارةً يكون لأجل التزاحم بين التكليفين المعلومين مثل إنقاذ الغريقين ، وهذا يكون الترجيح فيه بأهمية أحدهما ، وحينئذٍ يكون احتمال أهمية أحدهما المعيّن من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير . وأُخرى يكون لأجل العلم الاجمالي بأحد الأمرين مع فرض عدم إمكان الاحتياط وعدم التمكّن من الموافقة القطعية مع فرض التمكّن من المخالفة القطعية ، كما في غريقين أحدهما مسلم يجب إنقاذه والآخر حيوان أو كافر يباح إنقاذه ، ولا يمكن الجمع بإنقاذهما جميعاً ، والتخيير في هذه الصورة يكون من قبيل لزوم تبعيض الاحتياط بإنقاذ أحدهما ، لكون المفروض عدم إمكان الاحتياط التامّ بإنقاذهما . والترجيح في هذه لا يكون بالأهمية إذ لا مورد لها ، وإنّما يكون الترجيح بقوّة الاحتمال في أحدهما ، ولا مورد فيه لاحتمال الأهمية ، فلا يتصوّر فيه الدوران بين التعيين والتخيير . وقد عرفت فيما تقدّم أنّ التخيير فيما نحن فيه ليس من قبيل الأوّل ، وهو واضح ، كما أنّه ليس من قبيل الثاني ، لما عرفت من أنّ مرجع التخيير في الثاني إلى المنع من المخالفة القطعية ، وإلزام العقل بإنقاذ أحد هذين الجسمين فراراً من المخالفة القطعية ، وحيث إنّ ما نحن فيه لا يمكن فيه المخالفة القطعية ، فلا يتأتّى فيه التخيير المذكور ، فلا محصّل فيه للقول بالترجيح بالأهمية ولا للترجيح بقوّة الاحتمال ، هذا بالنسبة إلى نفس التكليف المعلوم المردّد بين الوجوب والتحريم . نعم ، لو تمّ ما ذكرناه من كونه من قبيل التزاحم بين الاحتياطين ، أمكن الترجيح فيه بكلّ من الأهميّة وقوّة الاحتمال ، لأنّ أهميّة أحد التكليفين الذي هو التحريم مثلًا توجب ترجيح الاحتياط فيه على الاحتياط في الطرف الآخر الذي هو الوجوب ، كما أنّ قوّة أحد الاحتمالين توجب ترجيح الاحتياط فيه على الاحتياط في الطرف الآخر ، لكن الأوّل يتصوّر فيه احتمال الأهمية بخلاف الثاني ، إذ لا محصّل لاحتمال قوّة الاحتمال ، فتأمّل . تنبيه : أنّ صاحب الكفاية قدس سره ذكر في الأمر الخامس من الأُمور التي عقدها في أوائل القطع فيما عقده لمسألة وجوب الموافقة الالتزامية ، وأنّها مانعة من جريان الأُصول في أطراف العلم الاجمالي ، ما هذا نصّه : إلّا أنّ الشأن حينئذ في جواز جريان الأُصول في أطراف العلم الاجمالي ( يعني فيما دار الأمر فيه بين المحذورين ) مع عدم ترتّب أثر عملي عليها ، مع أنّها أحكام عملية كسائر الأحكام الفرعية [ كفاية الأُصول : 269 ] . لكنّه في الهامش عدل عن ذلك وأفاد ما هذا لفظه : والتحقيق جريانها لعدم اعتبار شيء في ذلك عدا قابلية المورد للحكم إثباتاً ونفياً ، فالأصل الحكمي يثبت له الحكم تارةً كأصالة الإباحة ، وينفيه أُخرى كاستصحاب عدم الوجوب والحرمة فيما دار بينهما ، فتأمل جيّداً [ لا يوجد هذا الهامش في طبعة مؤسّسة آل البيت عليهم السلام وكذا الطبعة المحشّاة بحاشية المحقّق المشكيني قدس سره ، نعم ذكر في طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي : 310 ، كما ذكر في حقائق الأُصول 2 : 41 ، لكن فيه : . . . تارة كأصالة الصحّة . . . ] . وعلى ذلك جرى في مبحث دوران الأمر بين المحذورين [ كفاية الأُصول : 355 ] ، لكنّه لم يدفع الإشكال على ذلك بكون الأصل محتاجاً إلى الأثر العملي إلّا بمجرّد دعوى المنع من هذا الاعتبار ، فلاحظ وتأمّل .